ابن أبي الحديد

106

شرح نهج البلاغة

ابن عفان لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين ، استأنف العمل برأيك فيما تحت يدك ، وخل بين من سبقك وبين ما ولوه عليهم كان ، أو لهم فإنك مستكف أن تدخل في خير ذلك وشره . قال : أنشدكما الله الذي إليه تعودان ، لو أن رجلا هلك وترك بنين أصاغر وأكابر ، فغر الأكابر الأصاغر بقوتهم ، فأكلوا أموالهم ، ثم بلغ الأصاغر الحلم فجاؤكما بهم وبما صنعوا في أموالهم ما كنتما صانعين ؟ قالا : كنا نرد عليهم حقوقهم حتى يستوفوها . قال : فإني وجدت كثيرا ممن كان قبلي من الولاة غر الناس بسلطانه وقوته ، وآثر بأموالهم أتباعه وأهله ورهطه وخاصته ، فلما وليت أتوني بذلك ، فلم يسعني إلا الرد على الضعيف من القوى ، وعلى الدنئ من الشريف . فقالا : يوفق الله أمير المؤمنين . * * * الأصل : ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك لله فيه رضا ، فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك ، وأمنا لبلادك ، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه ، فإن العدو ربما قارب ليتغفل ، فخذ بالحزم ، واتهم في ذلك حسن الظن وإن عقدت بينك وبين عدو لك عقدة ، أو ألبسته منك ذمة ، فحط عهدك بالوفاء ، وارع ذمتك بالأمانة . واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فإنه ليس من فرائض الله شئ الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم ، وتشتت آرائهم ، من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين ، لما استوبلوا من عواقب الغدر . فلا تغدرن بذمتك ، ولا تخيسن بعهدك ، ولا تختلن عدوك ، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته ،